ولأن الصداقة كنز يتوجب صيانته ، ولأن الضيق يفرجه
التزام الأصدقاء ، فقد حبذت في صديقي أن يخوض مع
الخائضين أن يغوى ويرشد مع غزية ، إن كان المبتغى
اعترافاً من مجتمع ، قد هدده بالعزلة والتهميش ، إن
ظلت في أغواره تستوطن تلك الهواجس الشريرة ، ولكن هل
يقوى على ذلك وقد خرج عن طوره فأصبحت ذاتي في حيرة
وفزع من أسئلته التي كلما كانت تقع على مسمعي كنت
أتلفت يمنة ويسرة ، مستطلعاً العصافير إن كانت قد
استرقت السمع أو الجدران إن صممت لها آذان تـنـقـل
دقائق الكلام :
" من نحن في قاموس البشر ... مستعبدون أم متحررون ،
حضاريون أم على قدر كبير من الجهل والغباء ، هل نعيش
بإرادتنا أم هي إرادة الآخرين تتحكم في أنفاسنا
وأنفسنا ومشاعرنا ؟ هل نتقن فن التعبير ، وإن كنا ،
فهل نمتلك الجرأة في الإفصاح عن آرائنا ، أحقاً حينما
نصرخ حزناً أو فرحاً إنما وبصدق نجهر بأحاسيس الحب
والكره ؟! ، أتعزى عضويتنا في مجموعة البلدان النامية
إلى توقنا وحبنا بل وهيامنا بالرقص ولإتقاننا كل فنونه
، أم هي وحدها رقصة التانغو التي أدمناها فأصبحنا
نمارسها من الشفق إلى الغسق " خطوتان إلى الوراء وخطوة
إلى الوراء " ؟! ، أو ليس الرجاء مفقوداً من مجتمع
يقدس من الشعارات : اكتسب مالاً تحظ بمركز مرموق
وحاشية تصفقُ وجمهرة ُطفيليينَ من طبالةٍ ومُزَمِّرين
؟!
لم يكن من بد وقد وجدت صاحبي متطرفاً في آرائه ، لم
أبخل عليه بالنصيحة في أن يهاجر إلى هناك ، حيث الفكر
والمبدأ والقيم والمثل ، منارات على هديها يرتقي البشر
. ما أن فاتحته بالأمر ، وكأن ـ من الجنون ـ مساً
أصابه ، انتفض وسهام الشرر تنطلق من جحاظة عينيه ،
مكوراً قبضة أهوى بها على الطاولة ، مدخلاً إياي ومن
جديد في بحر تساؤلاته : " هل هاجرت ... هل تعرف ماهية
الهجرة ... أليست نتشاً من الجذور أو انسلاخاً للروح
عن الجسد .. هل تدرك ماهية أن يظل المرء ـ بلا قلب ـ
هائماً على وجهه في بلاد الغربة ... أول ما يسألك
الناس إن كنت تنشد في أرضهم حرية مسلوبة أو أنك تبحث
عن كسرة خبز.. كلنا يبجلهم ويمد لهم أواصر المودة
والعون إن حلوا في ديارنا وجلهم يزدريك ويراك دونياً
حينما تكون هناك ...شرقي أنت على أية حال ، وشرقيتك
تعني لهم : استبداداً وتسلطاً واتكالية ً وانغلاقاً
وفكراً مشوهاً وإيديولوجية هدامة .
صعقني جملة ما أنبأني به ، فحاولت أن أثمن له حب
الأرض وحب الناس وأن الجلد لن يحكه إلا ضفر المرء وأن
.......... ، لكنه ومن جديد لوح بيديه فحسبت أن
سيلكمني : دع الوطن ولا تزاودني عليه .. اترك البشر في
شأنهم فإني أدرى من أي معين ينهلون ، بيت القصيد أن
تعلم بأني ـ ومذ وطئت قدماي أرض الوطن لعشر خلت من
السنوات ـ وإلى ساعة لقائنا لم أهنأ بالطمأنينة
والاستقرار ، من دائرة لأخرى ـ أستجدي عملاً ـ تقودني
قدماي ، تلقفتني فوقية صغار الوظفين وكبارهم ، أصبت
بالسأم والمرارة من وعود كاذبة ومجاملات مبطنة
بالازدراء والسخرية . اعتدل صديقي في جلسته وحينما علم
بأنه للسرعندي مكان بادرني : هل تعلم بأني قد تقدمت
إلى مسابقة لانتقاء المستخدمين لدى مديرية التربية
بحلب .. أوَ تدري النتيجة ماهيتها ، لم أحظ بشرف
القبول لفانوس علق على رأسي كمنحوس صنفت من عباد ،
رُفِضَ طلبي رغماً من حلفاني وبأغلظ الأيمان ، بأني
أتقن فن الصمت وأكتم أسرار المدراء وأني بارع في تحضير
الشاي والقهوة وتقديمهما بطرق حضارية اكتسبتها أول
الشباب من عملي كنادل في فنادق ومطاعم رُقيت لنفيس
الأثاث والمزيف من ابتسامات روادها وأولي الأمر فيها ،
رفض طلبي ـ ومؤهل جامعي أحمله ـ ، كـُفَّ عن الثرثرة
إن سمحت ودعك من مثاليات لاتروي الظمأ ولن تسكت البتة
غائلة الجوع .